الشيخ جعفر كاشف الغطاء

583

منهج الرشاد لمن أراد السداد

( يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) ( 1 ) ، وقال : ( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ) ( 2 ) ، وقال : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ) ( 3 ) . ثم المذمة لم تكن على اعتقاد الشفاعة ، أو التقرب زلفى ، بل على العبادة بهذا القصد ، والمراد بالعبادة أعمال خاصة كما بيناه . وقولك ( إن ذلك حقيقة دين المشركين ، كقوم نوح وعاد وثمود ) كيف ذلك ، وقد أخبر الله عنهم بقوله : ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ) ، إلى قوله : ( فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ) ( 4 ) وأخبر عن قوم ( عاد ) أنهم قالوا لهود : ( وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ) ( 5 ) وعن قوم صالح أنهم قالوا له : ( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) ( 6 ) وعن قوم شعيب أنهم قالوا له : ( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) ( 7 ) ، وعن قوم إبراهيم أنهم كذبوا الرسل . فهؤلاء الطوائف بصريح القرآن كذبوا الرسل ، وردوا قولهم ، وعاندوهم ، فلو كانوا مقرين لكانوا كفارا لكفر العناد ككفر إبليس . فيا أخي أقسمت عليك بمن خلقنا من تراب ، ثم أودعنا الأصلاب أن تترك الجدال ، وتتأمل في حقيقة الحال ، كيف تشبه أعمال المسلمين بأعمال عبدة الأصنام وغيرها مع أنهم أنكروا نبوة الأنبياء ، وردوا عليهم بعد أن أمروهم ، ولم يسمعوا لهم قولا ، ولا قبلوا لهم فعلا . ثم أنهم عبدوا طواغيتهم بالعبادة الحقيقية ، لاعتقاد أن لهم تصرفا في الأكوان ، أو في إرضاء الملك الديان ، وإلا لم يذمهم الرحمن ، ولا أنكر عليهم كل فعل كان . ثم تعللوا بأنا لا نقدر على عبادة الله سبحانه ، فنعبدهم ونكتفي بعبادتهم وهم يقربونا ، كما أوردنا بذلك بعض الروايات في بعض المقامات .

--> ( 1 ) القرآن الكريم : 5 / 116 ( سورة المائدة ) . ( 2 ) القرآن الكريم : 6 / 19 ( سورة الأنعام ) . ( 3 ) القرآن الكريم : 5 / 17 ( سورة المائدة ) . ( 4 ) القرآن الكريم : 14 / 9 ( سورة إبراهيم ) . ( 5 ) القرآن الكريم : 11 / 53 ( سورة هود ) . ( 6 ) القرآن الكريم : 11 / 62 ( سورة هود ) . ( 7 ) القرآن الكريم : 11 / 78 ( سورة هود ) .